+ الرد على الموضوع
صفحة 1 من 2 1 2 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 5 من 7
  1. #1
    الإدارة
    ابو مالك has a reputation beyond repute ابو مالك has a reputation beyond repute ابو مالك has a reputation beyond repute ابو مالك has a reputation beyond repute ابو مالك has a reputation beyond repute ابو مالك has a reputation beyond repute ابو مالك has a reputation beyond repute ابو مالك has a reputation beyond repute ابو مالك has a reputation beyond repute ابو مالك has a reputation beyond repute ابو مالك has a reputation beyond repute الصورة الرمزية ابو مالك
    تاريخ التسجيل
    20 / 03 / 2007
    الدولة
    الأردن
    العمر
    38
    المشاركات
    6,540
    معدل تقييم المستوى
    6879

    افتراضي يوم عرفة: فضائله وأسباب تحصيلها

    تمهيد:
    يوم عرفة منَ الأيام الفاضِلة: تُجاب فيه الدَّعوات، وتُقال العَثَرات، ويباهي اللهُ فيه الملائكة بأهل عرفات، وهو يومٌ عظَّم الله أمرَه، ورفع على الأيام قدْره، وهو يوم إكمال الدِّين وإتمام النِّعمة، ويومٌ كهذا - أخي الحاج - حرِيٌّ بك أن تتعرَّف على فضائله، وما مَيَّزه الله به على غيره منَ الأيام.

    فضائل يوم عرفة:
    1- أنه يومٌ أقسم الله به، والعظيم لا يُقسم إلاَّ بعظيمٍ، وهو اليوم المشهود في قوله - تعالى -: {وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ} [البروج: 3]، وفي حديث أبي هريرة: أن النَّبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((اليوم الموعود يوم القيامة، واليوم المشهود يومُ عرفة، والشاهد يوم الجمعة))؛ رواه التِّرمذي وغيره، وهو حَسَن.
    وهذا الوتر الذي أقسم الله به في قوله: {وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ} [الفجر: 3]، وفي حديث جابر: أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((إن العَشْر عشرُ الأضحى، والوتر يومُ عرفة، والشَّفْع يومُ النَّحر))؛ رواه أحمد والحاكم وصَحَّحه، ووافَقه الذهبي.

    2- أنه اليوم الذي أَخَذَ الله فيه الميثاق على ذُرية آدم؛ فعنِ ابنِ عباس: أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((أَخَذَ الله - تبارك وتعالى - الميثاق مِن ظهر آدم بـ(نَعْمان) - يعني: عَرَفة - فأخرج من صُلبه كل ذُريَّة ذَرَأَها، فَنَثَرَهُم بين يديه كالذَّرِّ، ثم كلَّمهم قِبَلاً، قال: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آَبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ} [الأعراف: 172، 173]))؛ رواه أحمد والحاكم وصَحَّحه، ووافَقَه الذَّهَبي، وصَحَّحه الألباني، فما أعظمه من يوم، وما أعظمه مِن ميثاق.

    3- أنه يومُ إكمال الدِّين وإتمام النِّعمة؛ فعنْ عمر بن الخطاب: أنَّ رجُلاً منَ اليهود قال له: يا أمير المؤمنين، آية في كتابكم تقرؤونها، لو علينا - معشرَ اليهود – نزلَتْ، لاتَّخذنا ذلك اليوم عيدًا، قال: أي آية؟ قال: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 3]، قال عمر: "قد عَرَفنا ذلك اليوم، والمكان الذي نزلتْ فيه على النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو قائم بِعَرَفة يوم الجمعة"؛ رواه البخاري في صحيحه، والسائل: كعْب الأحبار.

    4- أنه يومُ عيد لأهل الموقف؛ ففي حديث عقبة بن عامر: أنَّ النَّبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((يومُ عرفة، ويوم النَّحر، وأيام التشريق - عيدُنا - أهلَ الإسلام - وهي أيام أكل وشُرب))؛ رواه أبو داود، وهو صحيح، وصحَّحه الألباني، وعن عمر بن الخطاب أنه قال: "نزلتْ آية: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ...} [المائدة: 3] يومَ جمعة، يومَ عرفة، وكلاهما - بحمدِ الله - لنا عيد))؛ رواه الطَّبَراني، وابن جرير؛ وعنِ ابن عباس قال: "فإنَّها نزلتْ في يوم عيدين؛ في يوم الجمعة ويوم عرفة))؛ رواه التِّرمذي وغيره، وهو صحيح.

    5- أنه يوم مغفرة الذُّنوب، والعِتق منَ النار، والمباهَاة بأهل الموقف؛ ففي حديث عائشة: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((ما مِن يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدًا منَ النار من يوم عرفة، وإنه ليدنو، ثم يباهِي بهم الملائكة، فيقول: ما أراد هؤلاء؟))؛ رواه مسلم، وزاد رُزين في جامعه: ((واشهدوا - يا ملائكتي -: أنِّي قد غفرتُ لهم))، وفي حديث جابر: أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: ((ما من أيام أفضل عند الله من أيام.... قال: ((وما مِن يوم أفضل عند الله مِن يوم عرفة، ينزل الله إلى السَّماء الدُّنيا، فيباهِي بأهل الأرض أهلَ السماء، فيقول: انظروا إلى عبادي شُعثًا غُبرًا ضاحِين، جاؤوا من كلِّ فجٍّ عميق، لم يروا رحمتي، ولم يروا عذابي، فلم أرَ يومًا أكثر عتيقًا منَ النار من يوم عرفة))؛ رواه أبو يَعْلى وغيره، وهو حَسَن.

    وفي حديث أنس بن مالِك: أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - وَقَفَ بعرفات، وقد كادتِ الشَّمس أن تؤوبَ، فقال: ((يا بلالُ، أنصِتْ لي الناس))، فقام بلال، فقال: أنصِتوا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأنصتَ الناس، فقال: ((يا معشر الناس، أتاني جبريل - عليه السلام - آنفًا، فأَقرَأَني من ربِّي السلام، وقال: إنَّ الله - عزَّ وجلَّ - غَفَرَ لأهل عرفات وأهل المشعر، وضَمن عنهم التَّبعات))، فقام عمر بن الخطاب فقال: يا رسول الله، هذا لنا خاصة؟ قال: ((هذا لكم، ولمن أتى مِن بعدكم إلى يوم القيامة))، فقال عمر بن الخطاب: "كَثُر خير الرَّب وطاب؛ أورده المنذري، وعزاه لابن المبارَك، وهو حسن.

    وقال ابن سيرين: "كانوا يرجون في ذلك الموقف، حتى للحمل في بطن أمه"؛ أورده ابن عبدالبر في التَّمهيد، وقال مجاهد: "كانوا يرون: أنَّ الرحمة تنزل عند دفعة الإمام عشيةَ عرفة"؛ أورده ابن عبدالبر في التَّمهيد، وعن طَلْحة بن عبيدالله بن كُرَيز: أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((ما رُؤي الشيطان يومًا هو فيه أصغر، ولا أدحر، ولا أحقر، ولا أغيظ منه في يوم عرفة، وما ذاك إلاَّ لما يرى فيه مِن تنزل الرَّحمة، وتجاوز الله عنِ الذُّنوب العظام؛ إلاَّ ما رأى يوم بدر، فإنه رأى جبريل - عليه السلام - يزع الملائكة»؛ رواه مالك في "المُوَطَّأ"، وحَسَّنه ابن عبدالبر.

    أخي الحاج:
    وحتى تحصل على هذا الفضْل العظيم، لا بُدَّ من فِعل الأسباب التي يُرجى بها العِتْق والمغفرة، ومنها:

    1- حِفظ الجوارح عنِ المحَرَّمات في ذلك اليوم؛ وفي حديث ابن عباس، قال: كان الفضل بن عباس رديف النبي - صلى الله عليه وسلم - من عرفة، فجعل الفتى يلاحظ النساء وينظر إليهنَّ، وجعل النبي - صلى الله عليه وسلم - يصرف وجهه بيده من خلفه، وجعل الفتى يُلاحظ إليهنَّ، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم - : ((ابنَ أخي، إنَّ هذا يومٌ مَن مَلك فيه سمعه وبصره ولسانه، غُفِر له))؛ رواه أبو يَعْلى، وهو صحيح، وصَحَّحه المنذري.

    2- الإكثار منَ التهليل والتكبير والتلبية في هذا اليوم؛ ففي حديث ابن عمر قال: "غدونا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من منًى إلى عرفات، منَّا المُلَبِّي، ومنَّا المُكَبِّر"؛ رواه مسلم، وفي رواية: "فلا غداة عرفة"؛ رواه مسلم، وفي حديث أنس بن مالك: "كان يُهلُّ المُهِل منَّا، فلا يُنكر عليه، ويُكبِّر المكبِّر منَّا، فلا ينكر عليه"؛ رواه مسلم.

    3- الإكثار منَ الدُّعاء بالمغفرة والعِتْق في هذا اليوم، فهذا الموقف: مشهدٌ عظيم، ويومٌ كريم، ليس في الدُّنيا مشهد أعظم منه؛ كما ذَكَرَ ذلك ابن تيميَّة، قال ابن تيميَّة: "وأمَّا توقيت الدُّعاء فيه، فليس فيه عنِ النبي - صلى الله عليه وسلم - شيء موقَّت". اهـ.

    وفي حديث أسامة بن زيد، قال: "كنتُ رديفَ النبي - صلى الله عليه وسلم - بعرفات، فرفع يديه يدعو، فمالتْ به ناقته، فسقط خطامها، فتناول الخطام بإحدى يديه، وهو رافع يده الأخرى"؛ رواه النَّسائي وغيره، وجَوَّده ابن حجر، وأما حديث: ((أفضل الدُّعاء دعاء يوم عرفة، وأفضل ما قلتُ أنا والنَّبيون من قبلي: لا إله إلا الله، وحده لا شريك له))؛ فرواه مالك في "الموطأ" من حديث طلحة بن عبيدالله بن كريز، قال عنه ابن عبدالبر وابن حجر: وهو مُرسل، ورواه التِّرمذي من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدِّه مرفوعًا: ((خير الدُّعاء دعاء يوم عرفة، وخير ما قلتُ أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير))؛ وضعَّفه التِّرمذي، قال ابن القَيِّم: "وأسانيد هذه الأدعية فيها لِين". اهـ.

    وقال العلوان: "الحديث ضعيف، ولا يصح إلاَّ مُرسلاً، وهذا قول أكابر أهل الحديث". اهـ. وأما ما ورد عنِ الصحابة، فعن عبدالله بن الحارث: أنَّ ابن عمر كان يرفع صوته عشية عرفة: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، اللهم اهدنا بالهدى، وزَيِّنَّا بالتُّقى، واغفر لنا في الآخرة والأولى، ثم يخفض صوته، ثم يقول: اللهُمَّ إنِّي أسألك من فضلك وعطائك رزقًا طيبًا مباركًا، اللهُمَّ إنك أمرت بالدعاء، وقضيتَ على نفسك بالإجابة، وإنك لا تخلف وعدك، ولا تكذب عهدك، اللهُمَّ ما أحببت من خير فحبِّبه إلينا ويسِّره لنا، وما كرهتَ من شر فكرِّهه إلينا وجنِّبناه، ولا تنزع منَّا الإسلام بعد إذ أعطيتنا"؛ رواه الطبراني في الدعاء، وجوده ابن تيميَّة.

    فيوم عرفة - أخي الحاج - منَ الأيام الفاضلة التي تُجاب فيها الدعوات، وتُقال العَثَرات، قال ابن عبدالبر: "الدعاء يوم عرفة مجاب في الأغلب". اهـ، فاحْرِص على الدُّعاء، وتفرَّغ للذِّكر والاستغفار، فطوبَى لعبدٍ فَقِه الدعاء في يوم الدعاء، ولعله أن يحظَى منَ الله - تعالى - بالمغفرة، والعتق منَ النار، وقد ذكر ابن رجب: أنَّ العتق منَ النار في يوم عرفة عام لجميع المسلمين؛ قال: "مَن وقف بعرفة ومَن لم يقف بها من أهل الأمصار". اهـ.

    واحذر - أخي - منَ الذنوب التي تمنعُ المغفرة في هذا اليوم؛ إذ كيف تطمع في العتق من النار، وأنت مصرٌّ على الكبائر والذنوب؟! وكيف ترجو المغفرة، وأنت تبارِز الله بالمعاصي في هذا اليوم العظيم؟!

    فاجأر إلى الله - عَزَّ وجل - واستقبلِ القبلة، وارفع يديك متَضَرِّعًا إلى ربك، معترفًا بتقصيرك في حقه، عازمًا على التوبة الصادقة.

    4- الذُّل والانكسار بين يدي الله - عَزَّ وجل - فهو عنوان الإخلاص، وأحوالُ الصادقين تشهد بذلك؛ فهذا مطرّف بن عبدالله الشِّخِّير، وبكر المزني وقفا بعرفة، فقال أحدهما: اللهم لا تردَّ أهل الموقف من أجلي، وقال الآخر: ما أشرفه من موقف وأرجاه لأهله، لولا أني فيهم، وهذا الفُضَيل بن عياض واقف بعرفة والناس يدعون، وهو يبكي بكاء الثكلى المحترقة، قد حال البكاء بينه وبين الدعاء، فلما كادتِ الشمس أن تغربَ، رَفَع رأسه إلى السماء، وقال: واسوأتاه منك، وإن عفوت! ودعا بعض العارفين بعرفة، فقال: اللهُمَّ إن كنتَ لم تقبل حجي وتعبي ونصبي، فلا تحرمني أجر المصيبة على تَرْكك القبول مني، وقال ابن المبارك: جئتُ إلى سفيان الثوري عشية عرفة وهو جاثٍ على ركبتيه، وعيناه تهملان، فقلتُ له: مَن أسوأ هذا الجمع حالاً؟ قال: الذي يظن أنَّ الله لا يغفر له.

    أيها الحجيج:
    وعما قليل يقفُ إخوانكم بعرفة في ذلك الموقف، فهنيئًا لِمَن رَزَقَه الله الوقوف بعرفة، بجوار قوم يجأرون إلى الله بقلوب محترقة، ودموع مستبقة، فكم فيهم من خائف أزعجه الخوف وأقلقه، ومحبٍّ ألْهَبَه الشوقُ وأحرقه، وراجٍ أحسن الظنَّ بوعد الله وصدَّقه، وتائب أخلص الله في التوبة وصدقه، وهارب لجأ إلى باب الله وطرقه، فكم هنالك من مستوجب للنار أنقذه الله وأعتقه، ومن أسير للأوزار فكه وأطلقه، وحينئذ، يطَّلعُ عليهم أرحم الرحماء، ويباهي بجمعهم أهل السماء، ويدنو ثم يقول: ما أراد هؤلاء؟

    فيا أخي، قمْ على بابه بالذُّل والانكسار، وارفعْ قصة ندمكَ، مرقومة على صحيفة خدِّك بمداد الدموع الغزار، وقل: {رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [الأعراف: 23]، وقد دعا علي بن موسى بعرفة: "اللهُمَّ كما سترت عليَّ ما أعلم، فاغفر لي ما تعلمْ، وكما وسعني علمُكْ، فليسعني عفوك، وكما أكرمتَني بمعرفتك، فاشفعها بمغفرتك، يا ذا الجلال والإكرام".

    خواطر من عرفات:
    عرفاتُ، يا رمز الأمَّة والرِّسالة، عرفات، كم وقفتْ بساحتك جُمُوع، وسالتْ على ثراك دموع، وتعارفَ على راحتيك الناس، وذابتْ في محيطك الأجناس، وبورك مُنكسرٌ ورُد شديد المراس، كم تعانقتْ فوقك قلوب، وفُرجتْ على ثراك كُرُوب، ومحيت أوزارٌ، كمِ امتزجتْ فيك دموع المذنبين، وتعانقتْ أصوات المستغفرين، وتوحَّدتْ رغبات الراغبين، كم تجرَّدتْ فيك النِّيات، وسالتْ على جنباتكِ العَبَرات، وخشع أهل الأرض لخالق الأرض والسموات.

    أيها المسلمون:
    كم تغلي قلوب أعدائكم حقدًا! وكم عَضُّوا أناملهم غيظًا وحَسَدًا! {مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ} [البقرة: 105]، هم يريدون أن يقطعوا دابِر الدِّين؛ كي تخور التقوى، ويُتَّبَع الهوى، وتعُم البلوى، كي لا يعز دين، ولا يقوى يقين، ولا يتم تمكين، كيف يُضْحي بأسنا بيننا شديدًا، وأملنا في العودة إلى المنبع الرائق بعيدًا؟!

    أيها الأحباب:
    إنَّ الذي أمركم بالتلبية فلبَّيتم، وبالحج فحججتم، وبالوقوف هنا فوقَفْتم - هو الذي قال: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [الأنفال: 60]، وتسلحوا لهم بالتقوى، فمَن أراد غنى بغير مال، وعزًّا بغير جاهٍ، ومهابة بغير سلطان، فليَتَّق الله، فإن الله - عز وجل - يأبَى أن يذلَّ إلاَّ من عصاه.

    وتذكروا جيدًا وصية نبيكم منذ أكثر من ألف وأربعمائة عام، يوم النحر في منًى، وهو يقول ويُقرِّر، ويوصي ويُحَذِّر: ((فإنَّ دمائكم وأموالكم عليكم حرام، كحُرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، إلى يوم تلقون ربكم، ألا هل بلَّغت؟))، قالوا: نعم، قال: ((اللهُمَّ اشْهد، فليبلِّغِ الشاهدُ الغائب، فربَّ مبلَّغٍ أوعى من سامع، فلا ترجعوا بعدي كفارًا، يضرب بعضكم رقاب بعض))؛ رواه البخاري في صحيحه.

    فاذكروا ذلك جيدًا، واعلموا أنَّ الأمَّة التي تعمل بالمعاصي، وتحيد عن أمر الله، تسقط وتنهار، ولستمْ - والله - أفضل من سعد بن أبي وقاص، بطل القادسية، المُبَشَّر بالجنة، السابق إلى الإسلام، ومع كل ذلك هذه وصية عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - له، وهو متأهِّب للمسير إلى القادسية، حيث قال له: "يا سعد، لا يغرنَّك منَ الله أن قيل: خالُ رسول الله، وصاحب رسول الله، فإنَّ الله - عز وجل - لا يمحو السيئ بالسيئ، ولكنه يمحو السيئة بالحسنة، يا سعد، إن الله ليس بينه وبين أحد نسبٌ إلا طاعته، فالناس جميعًا؛ شريفهم ووضيعهم في ذات الله سواء، الله ربهم وهم عباده، يتفاضلون بالتَّقوى، ويُدركون ما عنده بالطاعة".

    فكونوا - رحمكم الله - على المؤمنين قلوبًا صافية، وعلى أعداء دينكم أُسودًا ضارِية.

    أنسيتُم - أيُّها الأحباب - غضبة رسولكم، حيث أقسم ألاَّ يبيتَ اليهودُ بالمدينة، وقد أنجز ذلك.

    أنسيتم غضبة الهادئِ الوديع الساكن أبي بكر، حين زمْجَر، وقال: "واللهِ، لو منعوني عقالاً كانوا يؤدُّونهُ إلى رسول الله، لقاتلتهم عليه".

    أنسيتُم غضْبة نور الدِّين، حينما وقع الأقصى أسيرًا في أيدي الصليبيَّة، فظلَّ حزينًا عابسًا، ولما سأله سائل: لِمَ لا تضحك؟ قال: "أستحي منَ الله أن أبتسم، والأقصى أسيرٌ في أيدي الأعداء".

    والآن - أيها الأحباب - متى تُحَرِّكُنا مصاحف تُحْرَق، ومساجد تُهدم، وأعراض تُنتَهك، وأطفال أطهارٌ يُداسُون بالأقدام، ودموع في كلِّ زمان ومكان.


    رُبَّ وَامُعْتَصِمَاهُ انْطَلَقَتْ
    مِلْءَ أَفْوَاهِ الصَّبَايَا اليُتَّمِ
    لَامَسَتْ أَسْمَاعَهُمْ لَكِنَّهَا
    لَمْ تُلاَمِسْ نَخْوَةَ المُعْتَصِمِ




    أيُّها الحجيج:
    نريدها أمة جادَّة في القول والعمل، إن قالتْ فبِعلْم، وإن سالَمَتْ فبعلم، وإن حاربتْ فبعلم، وإن قرَّرت فبعلم، ليست عابثة ولا لاهية ولا غافِلة، يقول يحي بن معاذ - رحمه الله -: القلوب كالقدور، تغلي في الصدور، ومغارفها ألسنتها، فانتظر الرجل حتى يتكلَّم؛ فإنَّ لسانه يغترفُ لك مما في قلبه، من بين حُلوٍ وحامضٍ، وعذبٍ ومالح، يخبرك عن طعم قلبه اغتراف لسانه:




    أَتُسْبَى المُسْلِمَاتُ بِكُلِّ ثَغْرٍ
    وَعَيْشُ المُسْلِمِينَ إِذًا يَطِيبُ
    أَمَا لِلَّهِ وَالإِسْلاَمِ حَقٌّ
    يُدَافِعُ عَنْهُ شُبَّانٌ وَشِيبُ
    فَقُلْ لِذَوِي البَصَائِرِ حَيْثُ كَانُوا
    أَجِيبُوا اللَّهَ وَيْحَكُمُ أَجِيبُوا




    والحمد لله ربِّ العالمينَ، وصلى الله وسلم على نبينا محمد بن عبدالله، وعلى آله وصحبه أجمعين.

    جماز بن عبدالرحمن جماز

     
  2. #2
    الإدارة
    صناع الحياة has a reputation beyond repute صناع الحياة has a reputation beyond repute صناع الحياة has a reputation beyond repute صناع الحياة has a reputation beyond repute صناع الحياة has a reputation beyond repute صناع الحياة has a reputation beyond repute صناع الحياة has a reputation beyond repute صناع الحياة has a reputation beyond repute صناع الحياة has a reputation beyond repute صناع الحياة has a reputation beyond repute صناع الحياة has a reputation beyond repute الصورة الرمزية صناع الحياة
    تاريخ التسجيل
    09 / 06 / 2005
    الدولة
    مصر
    العمر
    39
    المشاركات
    21,347
    معدل تقييم المستوى
    26400

    افتراضي رد: يوم عرفة: فضائله وأسباب تحصيلها

    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

     
  3. #3
    الإدارة
    ابو مالك has a reputation beyond repute ابو مالك has a reputation beyond repute ابو مالك has a reputation beyond repute ابو مالك has a reputation beyond repute ابو مالك has a reputation beyond repute ابو مالك has a reputation beyond repute ابو مالك has a reputation beyond repute ابو مالك has a reputation beyond repute ابو مالك has a reputation beyond repute ابو مالك has a reputation beyond repute ابو مالك has a reputation beyond repute الصورة الرمزية ابو مالك
    تاريخ التسجيل
    20 / 03 / 2007
    الدولة
    الأردن
    العمر
    38
    المشاركات
    6,540
    معدل تقييم المستوى
    6879

    افتراضي رد: يوم عرفة: فضائله وأسباب تحصيلها

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة صناع الحياة مشاهدة المشاركة

    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

    مشاركاتي تقل روعة بحضورك المميز أخي الفاضل صناع الحياة

     
  4. #4
    مودة جيد
    الأخطل الصغير is on a distinguished road
    تاريخ التسجيل
    15 / 10 / 2008
    الدولة
    مجهولة
    المشاركات
    112
    معدل تقييم المستوى
    157

    افتراضي رد: يوم عرفة: فضائله وأسباب تحصيلها

    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

     
  5. #5
    الإدارة
    ابو مالك has a reputation beyond repute ابو مالك has a reputation beyond repute ابو مالك has a reputation beyond repute ابو مالك has a reputation beyond repute ابو مالك has a reputation beyond repute ابو مالك has a reputation beyond repute ابو مالك has a reputation beyond repute ابو مالك has a reputation beyond repute ابو مالك has a reputation beyond repute ابو مالك has a reputation beyond repute ابو مالك has a reputation beyond repute الصورة الرمزية ابو مالك
    تاريخ التسجيل
    20 / 03 / 2007
    الدولة
    الأردن
    العمر
    38
    المشاركات
    6,540
    معدل تقييم المستوى
    6879

    افتراضي رد: يوم عرفة: فضائله وأسباب تحصيلها

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة الأخطل الصغير مشاهدة المشاركة
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

    شكرا لمرورك على مشاركتي

     

 

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

     

مواقع النشر (المفضلة)

مواقع النشر (المفضلة)

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك


1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71 72 73 74 75 76 77 78 79 80 81 82 83 84 85 86 87 88 89 90 91 92 93 94 95 96 97 98 99 100 101 102 103 104 105 106 107 108 109 110 111 112 113 114 115 116 117 118 119 120 121 122 123 124 125 126 127 128 129 130 131 132 133 134 135 136 137 138 139 140 141 142 143 144 145 146 147 148 149 150 151 152 153 154 155 156 157 158 159 160 161 162 163 164 165 166 167 168 169 170 171 172 173 174 175 176 177 178 179 180 181 182 183 184 185 186 187 188 189 190 191 192 193 194 195 196 197 198 199 200 201 202 203 204 205 206 207 208 209 210 211 212 213 214 215 216 217 218 219 220 221 222 223 224 225 226 227 228 229 230 231 232 233 234 235 236 237 238 239 240 241 242 243 244 245 246 247 248 249 250 251 252 253 254 255 256 257 258 259 260 261 262 263 264 265 266 267 268 269 270 271 272 273 274 275 276 277 278 279 280 281 282 283 284 285 286 287 288 289 290 291 292 293 294 295 296 297 298 299 300 301 302 303 304 305 306 307 308 309 310 311 312 313 314 315 316 317 318 319 320 321 322 323 324 325 326 327 328 329 330 331 332 333 334 335 336 337 338 339 340 341 342 343 344 345 346 347 348 349 350 351 352 353 354 355 356 357 358 359 360 361 362 363 364 365 366 367 368 369 370 371 372 373 374 375 376 377 378 379 380 381 382 383 384 385 386 387 388 389 390 391 392 393 394 395 396 397 398 399 400 401 402 403 404 405 406 407 408 409 410 411 412 413 414 415 416 417 418 419 420 421 422 423 424 425 426 427 428 429 430 431 432 433 434 435 436 437 438 439 440 441 442 443 444 445 446 447 448 449 450 451 452 453 454 455 456 457 458 459 460 461 462 463 464 465 466 467 468 469 470 471 472 473 474 475 476 477 478 479 480 481 482 483 484 485 486 487 488 489 490 491 492 493 494 495 496 497 498 499 500 501 502 503 504 505 506 507 508 509 510 511 512 513 514 515 516 517 518 519 520 521 522 523 524 525 526 527 528 529 530 531 532 533 534 535 536 537 538 539 540 541 542 543 544 545 546 547 548 549 550 551 552 553 554 555 556 557 558 559 560 561 562 563 564 565 566 567 568 569 570 571 572 573 574 575 576 577 578 579 580 581 582 583 584 585 586 587 588 589 590 591 592 593 594 595 596 597 598 599 600 601 602 603 604 605 606 607 608 609 610 611 612 613 614 615 616 617 618 619 620 621 622 623 624 625 626 627 628 629 630 631 632 633 634 635 636 637 638 639 640 641 642 643 644 645 646 647 648 649 650 651 652 653 654 655 656 657 658 659 660 661 662 663 664 665 666 667 668 669 670 671 672 673 674 675 676 677 678 679 680 681 682 683 684 685 686 687 688 689 690 691 692 693 694 695 696 697 698 699 700 701 702 703 704 705 706 707 708 709 710 711 712 713 714 715 716 717 718 719 720 721 722 723 724 725 726 727 728 729 730 731 732 733 734 735 736 737 738 739 740