+ الرد على الموضوع
النتائج 1 إلى 4 من 4
  1. #1
    مودة مشارك جدا
    فارس الاقصى is on a distinguished road
    تاريخ التسجيل
    18 / 09 / 2009
    الدولة
    الخلافة الاسلامية القادمة
    العمر
    32
    المشاركات
    73
    معدل تقييم المستوى
    107

    افتراضي نفحات الغفران وشؤم الهجران

    نفحات الغفران وشؤم الهجران كتبه/ أحمد الفيشاوي
    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
    فإن من أعظم مؤشرات الإيمان حصول الألفة والمحبة واللين بين عباد الله المؤمنين، وبقدر ما يزيد الإيمان تزيد المحبة والألفة، وبقدر ما ينقص تنقص، ولربما نقص الإيمان إلى حد تظهر معه النكارة والجفاء، والهجر والشحناء، والعداوة والبغضاء -والعياذ بالله تعالى-.
    وللخصومات أسباب، ظاهرها سوء الخلق، وباطنها مرض القلب، فما مِن ظاهر إلا وله باطن، وما مِن خُلق إلا وله جذور في القلب، فمهما حاول العبد إصلاح خُلقه الظاهر دون حقيقته الباطنة باء ذلك بالفشل، وكان كالمريض الموجوع الذي يتعاطى مُسكنـًا دون أن يعالج سبب المرض، فإنه لا يلبث أن يعاوده الوجع، أو كالمجروح الذي يطفح جرحه بالصديد، فيكتفي بمسحه وغسله دون أن يأخذ من الأدوية ما يعالجه ويجففه، فإنه لا يلبث أن يطفح مرة أخرى.
    فالشحناء التي تقع بين العباد هي عَرَض أكثر منها مرض، ومفاسدها لا تـُكاد تحصى، ولعل من أقرب تلك المفاسد وأخطرها فوات المغفرة على صاحبها أو نقص نصيبه منها، كما في الحديث أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال:(تُعْرَضُ الأَعْمَالُ فِي كُلِّ يَوْمِ خَمِيسٍ وَاثْنَيْنِ، فَيَغْفِرُ اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ- فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ لِكُلِّ امْرِئٍ لاَ يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا، إِلاَّ امْرَءًا كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ فَيُقَالُ: "ارْكُوا -أخِّروا- هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا، ارْكُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا) (رواه مسلم).
    وقريب منه قوله -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ اللَّهَ لَيَطَّلِعُ فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ، فَيَغْفِرُ لِجَمِيعِ خَلْقِهِ إِلاَّ لِمُشْرِكٍ أَوْ مُشَاحِنٍ) (رواه ابن ماجه، وصححه الألباني)، فتأمل كيف قرنت الشحناء بالشرك، فأي رجاء في النجاة بعد ذلك؟!
    ولو لم يكن في ترك الشحناء سوى صفاء الذهن، وحضور القلب، وقوة العزم؛ لكفى، فكيف لو جمع مع ذلك أنواعًا من أمراض القلب، وخبث النفس -والعياذ بالله-؟!
    فينبغي للعاقل اللبيب أن يفتش في نفسه، ويعرف أسباب غلها وشحنائها، ويسعى لعلاجها وشفائها.
    فمن أعظم تلك الأسباب:
    أولاً: الحسد:
    وهو البغض والكراهية لما يراه من حُسن حال المحسود سواء في دنياه أو دينه، وهو نوعان:
    أحدهما: كراهة للنعمة مطلقـًا على المحسود، سواء أحصل للحاسد نظير تلك النعمة أم لا، فهذا النوع مذموم مطلقـًا، وهو يستلزم تمني زوال النعمة، فإن من كره النعمة على غيره تمنى زوالها، وإذا كان ذلك في الدِّين فهو أشنع وأقبح، كحسد اليهود للنبي -صلى الله عليه وسلم-، قال -تعالى-: (أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا) (النساء:54).
    وكحسدهم للمؤمنين كما قال -تعالى-: (وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ) (البقرة:109)، فبيَّن -عز وجل- أن سبب تمني اليهود لكفر المسلمين إنما هو الحسد، وكذلك كل من يقع في قلبه بغض لمؤمن لأجل إيمانه، أو تمني زوال طاعة عن عبد من العباد؛ فإنه يشارك اليهود في جنس ذلك -والعياذ بالله-.
    النوع الثاني من الحسد: ألا يتمنى زوال النعمة عن المحسود؛ ولكن يكره فضل ذلك الشخص عليه، فيحب أن يكون مثل هذا الشخص أو أفضل منه، وقد يُسمَّى هذا غبطة أو منافسة، وسماه النبي -صلى الله عليه وسلم- حسدًا كما في الحديث المشهور: (لا حَسَدَ إِلا فِي اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ عَلَّمَهُ اللَّهُ الْقُرْآنَ، فَهُوَ يَتْلُوهُ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ، فَسَمِعَهُ جَارٌ لَهُ فَقَالَ: لَيْتَنِي أُوتِيتُ مِثْلَ مَا أُوتِيَ فُلاَنٌ فَعَمِلْتُ مِثْلَ مَا يَعْمَلُ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالاً، فَهْوَ يُهْلِكُهُ فِي الْحَقِّ، فَقَالَ رَجُلٌ: لَيْتَنِي أُوتِيتُ مِثْلَ مَا أُوتِيَ فُلاَنٌ فَعَمِلْتُ مِثْلَ مَا يَعْمَلُ) (رواه البخاري).
    قال شيخ الإسلام -رحمه الله-: "فإن قيل: لمَ سُمِّي هذا حسدًا وهو إنما أحب أن ينعم الله عليه؟ قيل: لأن مبدأ هذا كان نظره إلى إنعامه -عز وجل- على الغير، وكراهته أن يكون أفضل منه، ولولا وجود ذلك الغير لم يحب ذلك، فلما كان مبدأ ذلك كراهته أن يتفضل عليه غيره كان حسدًا، أما من أحب أن ينعم الله عليه مع عدم التفاته إلى أحوال الناس فهذا ليس عنده من الحسد شيء، وهذا أعلى المنازل، وبهذا أثنى الله -عز وجل- على الأنصار، فقال:(وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا)(الحشر:9)، أي: لا يجدون في صدورهم غيظـًا ولا حسدًًا لما أوتي إخوانهم المهاجرين من السبق والفضل والتقدم" اهـ بتصرف من أمراض القلوب وشفائها.
    وقد روي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أخبر عن رجل أنه من أهل الجنة، فلما سأله عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما- عن حاله وعمله الذي بلغ به تلك المنزلة؛ قال له الرجل: "مَا هُوَ إِلا مَا رَأَيْتَ"، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: "فَلَمَّا وَلَّيْتُ دَعَانِي"، فَقَالَ: "مَا هُوَ إِلا مَا رَأَيْتَ غَيْرَ أَنِّي لا أَجِدُ فِي نَفْسِي لأَحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ غِشًّا وَلاَ أَحْسُدُ أَحَداً عَلَى خَيْرٍ أَعْطَاهُ اللَّهُ إِيَّاهُ"، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: "هَذِهِ الَّتِي بَلَغَتْ بِكَ وَهِيَ الَّتِي لا نُطِيقُ".
    فهذا الرجل كان سالمًا من كل أنواع الحسد، وأكثر الناس لا يطيق ذلك، بل يشق عليهم تفضل غيرهم عليهم؛ فيتمنون أن يكون حالهم كغيرهم أو أفضل منهم، وقد يتنافسون لأجل ذلك، فإن وظـَّفوا تلك المنافسة فيما يحبه الله ويرضاه كان ذلك نافعًا لهم -وإن كان ذلك خلاف الأولى-، وإن وظـَّفوا تلك المنافسة في مباحات الدنيا -فضلاً عن محرماتها- كان ذلك حسدًا مذمومًا.
    وتأمل قوله: "غَيْرَ أَنِّي لا أَجِدُ فِي نَفْسِي لأَحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ غِشًّا..."، فإنه لما تم تركه للحسد وإعراض قلبه بالكلية عن حال الناس ومنافستهم؛ تمت أمانته ونصيحته للناس، فالحسد منافٍ للنصح والأمانة؛ ولذلك قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (لا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ) (متفق عليه)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ وَتَوَادِّهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ، إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ شَيْءٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى) (رواه مسلم)، فمن كمل تركه للحسد كمل نصحه وأمانته، وهذا من أعظم أسباب المحبة والألفة، والضد يأتي بالضد.
    قال شيخ الإسلام -رحمه الله-: "وبهذا استحق أبو عبيدة -رضي الله عنه- أن يسميه النبي -صلى الله عليه وسلم- أمين هذه الأمة؛ فإنه لم يكن عنده شيء من ذلك البتة، والمؤتمن إذا لم يكن في نفسه مزاحمة على شيء مما اؤتمن عليه كان أحق بالأمانة ممن يُخاف مزاحمته، ولهذا يؤتمن على النساء الخصيان، وعلى الولاية الصغرى من يُعرف أنه لا يزاحم على الكبرى، وعلى المال من يُعرف أنه ليس له غرض في أخذ شيء منه" اهـ بتصرف المصدر السابق.
    وقال -رحمه الله-: "فالحاسد المُبغِض للنعمة على من أنعم الله عليه بها ظالمٌ معتدٍ، أما الكاره لفضل غيره عليه المحب لمماثلته فهو منهي عن ذلك إلا فيما يقربه إلى الله، وإعراض قلبه عن هذا بحيث لا ينظر إلى حال الغير أفضل وأكمل" اهـ بتصرف المصدر السابق.
    وقال -رحمه الله-: "الحسد مرض غالب لا يكاد يخلص منه إلا قليل من الناس، ولهذا قيل: ما خلا جسد من حسد، ولكن اللئيم يبديه والكريم يخفيه، وقيل للحسن البصري: "أيحسد المؤمن؟"، فقال: "ما أنساك إخوة يوسف، لا أبا لك؟! ولكن عمه في صدرك؛ فإنه لا يضرك ما لم تعد به يدًا أو لسانـًا"، فمن وجد في نفسه حسدًا لغيره فعليه أن يكره ذلك من نفسه، وأن يستعمل معه التقوى والصبر" اهـ بتصرف المصدر السابق.
    وبالجملة فالحسد من أعظم أسباب العداوة والفرقة وضياع الدين، كما في الحديث أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال:(دَبَّ إِلَيْكُمْ دَاءُ الأُمَمِ قَبْلَكُمْ: الْحَسَدُ وَالْبَغْضَاءُ، هِيَ الْحَالِقَةُ، لا أَقُولُ تَحْلِقُ الشَّعَرَ؛ وَلَكِنْ تَحْلِقُ الدِّينَ) (رواه أحمد والترمذي، وحسنه الألباني)، فقرن -صلى الله عليه وسلم- بين الحسد والبغض، وفى الحديث أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (لاَ تَبَاغَضُوا، وَلاَ تَحَاسَدُوا، وَلاَ تَدَابَرُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا) (متفق عليه)، وقال -تعالى- مخبرًا عن حال الأمم السابقة: (وَمَا تَفَرَّقُوا إِلا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ) (الشورى:14).
    وكثيرًا ما يكون سبب الحسد الحرص والطمع، أو طلب السمعة والرياسة، أو الكبر والعلو، وغير ذلك من عوارض حب الدنيا، فأقصر طريق لعلاج هذا المرض؛ معرفة قدر الدنيا، وسرعة زوالها، واضمحلال أمرها، والاعتبار بذلك، قال -تعالى-: (مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى) (النساء:77)، وقال: (وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلا مَتَاعُ الْغُرُورِ) (آل عمران:185)، وقال: (بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا . وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى) (الأعلى:16-17)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (الدُّنْيَا مَلْعُونَةٌ مَلْعُونٌ مَا فِيهَا إِلاَّ ذِكْرَ اللَّهِ وَمَا وَالاَهُ، أَوْ عَالِمًا، أَوْ مُتَعَلِّمًا) (رواه الترمذي وابن ماجه، وحسنه الألباني)، وقال:(وَاللَّهِ مَا الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ مِثْلُ مَا يَجْعَلُ أَحَدُكُمْ إِصْبَعَهُ فِي الْيَمِّ، فَلْيَنْظُرْ بِمَ يَرْجِعُ) (رواه مسلم)، والآثار في ذلك لا تكاد تحصى.
    قال الإمام المقدسي -رحمه الله-: "ومنشأ جميع ذلك إنما هو حب الدنيا؛ فإن الدنيا هي التي تضيق على المتزاحمين، أما الآخرة فلا ضيق فيها، بل ما عند الله من نعيم الجنة والنظر إليه -عز وجل- ليس فيه مزاحمة، ولا يضيق بعض الناظرين على بعض" اهـ بتصرف مختصر منهاج القاصدين.
    ثانيًا: الكبر:
    قال الإمام المقدسي -رحمه الله-: "الكبر خُلق باطن، وهو رؤية النفس فوق الغير في صفات الكمال؛ فيظهر عند ذلك على الجوارح أعمال هي ثمرة ذلك الخُلق، وبهذا ينفصل الكبر عن العجب؛ فإن العجب لا يستدعي وجود غير المعجب، حتى لو قدر أن يعيش إنسان وحده لكان يُتصور أن يكون معجبًا، ولا يتصور أن يكون متكبرًا إلا أن يكون معه غيره.
    وآفة الكبر عظيمة، وفيها يهلك خواص الناس قبل عوامهم، وقلما ينفك عنه العُباد والزهاد والعلماء، وكيف لا تعظم فتنته وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لاَ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ) (رواه مسلم)؟!" اهـ بتصرف المصدر السابق.
    وإنما صار الكبر مانعًا من دخول الجنة؛ لأن حقيقته تكبُّر على رب العباد -عز وجل- الذي جعل هذا المتكبر واحدًا من هؤلاء الناس الذين يتكبر عليهم، والجميع عبيد له -عز وجل-، فمن تكبَّر على الناس فكأنه لا يرضى لنفسه أن يكون أخًا لهؤلاء في مقام العبودية، بل يرى نفسه أهلاً لمزيد خصوصية عن هؤلاء، وهذا هو عين الكبر؛ ولذلك قال -صلى الله عليه وسلم-: (الْعِزُّ إِزَارُهُ وَالْكِبْرِيَاءُ رِدَاؤُهُ، فَمَنْ يُنَازِعُنِي عَذَّبْتُهُ) (رواه مسلم).
    وقال -صلى الله عليه وسلم-: (يُحْشَرُ الْمُتَكَبِّرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْثَالَ الذَّرِّ فِي صُوَرِ النَّاسِ، يَعْلُوهُمْ كُلُّ شَيْْءٍ مِنَ الصِّغَارِ حَتَّى يَدْخُلُوا سِجْنًا فِي جَهَنَّمَ يُقَالُ لَهُ بُولَسُ، فَتَعْلُوهُمْ نَارُ الأَنْيَارِ، يُسْقَوْنَ مِنْ طِينَةِ الْخَبَالِ عُصَارَةِ أَهْلِ النَّارِ) (رواه أحمد والترمذي، وحسنه الألباني)، لما رأوا أنفسهم أعظم وأعلى من عباد الله في الدنيا جعلهم الله -تبارك وتعالى- في أحط وأسفل المنازل في الآخرة.
    ولو لم يكن في الكبر سوى هذا لكفى، فكيف وهو يثمر أمراضًا أخرى كلها تؤدي إلى المهالك والمعاداة والشحناء -والعياذ بالله-؟!
    قال الإمام المقدسي -رحمه الله-: "وإنما صار الكبر حجابًا دون الجنة؛ لأنه مع قبحه في نفسه يحول بين العبد وبين أخلاق المؤمنين، فلا يقدر صاحبه أن يحب للمؤمنين ما يحب لنفسه، ولا يقدر على التواضع وترك الحقد والحسد والغضب، ولا على كظم الغيظ وقبول النصح، ولا يسلم من الازدراء بالخلق واغتيابهم، إلى غير ذلك من لوازمه؛ فما من خلق ذميم إلا وهو مضطر إليه" اهـ بتصرف المصدر السابق.
    وقال -رحمه الله-: "ومن شر أنواع الكبر ما يمنعه من استفادة العلم وقبول الحق، كما قال -تعالى- عن فرعون وقومه: (وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا) (النمل:14)، وقال -تعالى- عنهم أيضًا:(فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا) (المؤمنون:47)، وبيَّن النبي -صلى الله عليه وسلم- ذلك وشرحه فقال: (الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ) (رواه مسلم)، فبَطَرُ الْحَقِّ: رده وتكذيبه، وعدم قبوله، وَغَمْطُ النَّاسِ: احتقارهم واستصغارهم" اهـ بتصرف المصدر السابق.
    فالكبر يعمي القلب والبصيرة، ويسلب صاحبه الصدق والعدل، والمتكبر ترضيه الكلمة التي فيها تعظيمه ولو بالباطل، وتغضبه الكلمة التي فيها ذمه ولو كانت حقـًّا، والمؤمن ترضيه كلمة الحق له وعليه، وتغضبه كلمة الباطل له وعليه.
    وأصل الكبر جهل العبد بنفسه، وجهله بربه -عز وجل-، فمتى عرف العبد دناءة نفسه ونقصها، وكمال ربه وعظمته؛ سهل عليه التواضع جدًّا، بل كان ذلك سجية له لا كلفة له فيها، فهذا أقصر الطرق لعلاج هذا المرض واستئصاله.
    قال الإمام المقدسي -رحمه الله-: "فإنه إذا عرف نفسه حق المعرفة علم كم هو ذليل، ويكفيه أن ينظر في أصل وجوده من نطفة خرجت من مجرى البول، ثم من علقة، ثم من مضغة، ثم صار شيئًا بعد أن لم يكن شيئًا مذكورًا، فكان قبل ذلك جمادًا لا يسمع ولا يبصر ولا يحس، وأبوه الأول خلقه الله من تراب، وكان قبل ذلك عدمًا محضًا، فمَن هذا بدايته فأي وجه لكبره وعلوه؟!
    على أنه لو دام له الوجود كما يريد ويختار لكان لتكبره مساغ، لكنه يضعف، ويمرض، ويعجز، وينسى، فبينما بنيانه قد تم إذ هو قد وهى وتهدَّم، وبينما هو غني إذ هو فقير، وبينما هو يذكر الشيء ينساه، ويروم الشيء فلا يدركه، لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًّا.
    هذا أوسط حاله، وذاك أوله، وأما آخره فالموت الذي يعيده جمادًا كما كان، ثم يُلقى في التراب فيصير جيفة منتنة، وتبلى أعضاؤه، وتنخر عظامه، ويأكل الدود أجزاءه، ويعود ترابًا يعمل منه الكيزان، ويعمر منه البنيان، ثم بعد طول البلى تُجمع أجزاؤه المتفرقة، ويحضر القيامة على خوف وشكٍّ من عاقبته، فمن هذا حاله كيف له أن يستعلي ويتكبر؟!
    أما معرفته بربه فيكفيه أن ينظر في آثار قدرته، وعجائب صنعته، فتلوح له العظمة، وتظهر له المعرفة، فهذا هو العلاج القالع لأصل الكبر" اهـ بتصرف المصدر السابق.
    ثالثـًا: الجهل وقلة العلم:
    فإن الإنسان قد تسوء أخلاقه ومعاملاته لا عن قصد ولا كبر وحسد؛ بل بسبب قلة علمه، وجهله بحقوقه وواجباته، وما يلزمه في هذا الموقف أو ذاك، فيقصر في حقوق الخلق، أو يُلزمهم بما ليس بواجب عليهم، أو يطالبهم بما ليس بحقه ونحو ذلك، فينشأ عن ذلك أنواع من الخصومات والمشاحنات ما كان يُستدرك بطلب العلم، فالعلم نور وبركة وعصمة، ولذلك قال -صلى الله عليه وسلم-: (طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ) (رواه ابن ماجه، وصححه الألباني).
    ولَنِعْمَ ما قال الإمام مالك -رحمه الله-: "إذا قل العلم ظهر الجفاء، وإذا قلت الآثار انتشرت الأهواء".
    فهذه إشارة إلى جذور الشحناء وأسبابها وطرق علاجها، نسأل الله الكريم الرحيم أن يشفي قلوبنا، ويذهب وحر صدورنا، وأن يصلح ذات بيننا ويتوب علينا، (رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ).
    وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
    www.salafvoice.com
    موقع صوت السلف


     
  2. #2
    مودة جديد
    قدس الفاروق is on a distinguished road الصورة الرمزية قدس الفاروق
    تاريخ التسجيل
    22 / 04 / 2009
    الدولة
    مجهولة
    المشاركات
    3
    معدل تقييم المستوى
    42

    افتراضي

    جزاك الله عنا كل خير وبارك الله فيك ......

     
  3. #3
    الإدارة
    ابو مالك has a reputation beyond repute ابو مالك has a reputation beyond repute ابو مالك has a reputation beyond repute ابو مالك has a reputation beyond repute ابو مالك has a reputation beyond repute ابو مالك has a reputation beyond repute ابو مالك has a reputation beyond repute ابو مالك has a reputation beyond repute ابو مالك has a reputation beyond repute ابو مالك has a reputation beyond repute ابو مالك has a reputation beyond repute الصورة الرمزية ابو مالك
    تاريخ التسجيل
    20 / 03 / 2007
    الدولة
    الأردن
    العمر
    38
    المشاركات
    6,540
    معدل تقييم المستوى
    6879

    افتراضي

    شكرا وبارك الله فيك لك مني أجمل تحية

     
  4. #4
    مودة مميز جدا
    كوووكب is a splendid one to behold كوووكب is a splendid one to behold كوووكب is a splendid one to behold كوووكب is a splendid one to behold كوووكب is a splendid one to behold كوووكب is a splendid one to behold كوووكب is a splendid one to behold كوووكب is a splendid one to behold الصورة الرمزية كوووكب
    تاريخ التسجيل
    19 / 08 / 2009
    الدولة
    السودان
    العمر
    28
    المشاركات
    1,290
    معدل تقييم المستوى
    1423

    افتراضي

    جزاك الله خيرى الدنيا والاخره بجد موضوع مفيد

     

 

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

     

مواقع النشر (المفضلة)

مواقع النشر (المفضلة)

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك


1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71 72 73 74 75 76 77 78 79 80 81 82 83 84 85 86 87 88 89 90 91 92 93 94 95 96 97 98 99 100 101 102 103 104 105 106 107 108 109 110 111 112 113 114 115 116 117 118 119 120 121 122 123 124 125 126 127 128 129 130 131 132 133 134 135 136 137 138 139 140 141 142 143 144 145 146 147 148 149 150 151 152 153 154 155 156 157 158 159 160 161 162 163 164 165 166 167 168 169 170 171 172 173 174 175 176 177 178 179 180 181 182 183 184 185 186 187 188 189 190 191 192 193 194 195 196 197 198 199 200 201 202 203 204 205 206 207 208 209 210 211 212 213 214 215 216 217 218 219 220 221 222 223 224 225 226 227 228 229 230 231 232 233 234 235 236 237 238 239 240 241 242 243 244 245 246 247 248 249 250 251 252 253 254 255 256 257 258 259 260 261 262 263 264 265 266 267 268 269 270 271 272 273 274 275 276 277 278 279 280 281 282 283 284 285 286 287 288 289 290 291 292 293 294 295 296 297 298 299 300 301 302 303 304 305 306 307 308 309 310 311 312 313 314 315 316 317 318 319 320 321 322 323 324 325 326 327 328 329 330 331 332 333 334 335 336 337 338 339 340 341 342 343 344 345 346 347 348 349 350 351 352 353 354 355 356 357 358 359 360 361 362 363 364 365 366 367 368 369 370 371 372 373 374 375 376 377 378 379 380 381 382 383 384 385 386 387 388 389 390 391 392 393 394 395 396 397 398 399 400 401 402 403 404 405 406 407 408 409 410 411 412 413 414 415 416 417 418 419 420 421 422 423 424 425 426 427 428 429 430 431 432 433 434 435 436 437 438 439 440 441 442 443 444 445 446 447 448 449 450 451 452 453 454 455 456 457 458 459 460 461 462 463 464 465 466 467 468 469 470 471 472 473 474 475 476 477 478 479 480 481 482 483 484 485 486 487 488 489 490 491 492 493 494 495 496 497 498 499 500 501 502 503 504 505 506 507 508 509 510 511 512 513 514 515 516 517 518 519 520 521 522 523 524 525 526 527 528 529 530 531 532 533 534 535 536 537 538 539 540 541 542 543 544 545 546 547 548 549 550 551 552 553 554 555 556 557 558 559 560 561 562 563 564 565 566 567 568 569 570 571 572 573 574 575 576 577 578 579 580 581 582 583 584 585 586 587 588 589 590 591 592 593 594 595 596 597 598 599 600 601 602 603 604 605 606 607 608 609 610 611 612 613 614 615 616 617 618 619 620 621 622 623 624 625 626 627 628 629 630 631 632 633 634 635 636 637 638 639 640 641 642 643 644 645 646 647 648 649 650 651 652 653 654 655 656 657 658 659 660 661 662 663 664 665 666 667 668 669 670 671 672 673 674 675 676 677 678 679 680 681 682 683 684 685 686 687 688 689 690 691 692 693 694 695 696 697 698 699 700 701 702 703 704 705 706 707 708 709 710 711 712 713 714 715 716 717 718 719 720 721 722 723 724 725 726 727 728 729 730 731 732 733 734 735 736 737 738 739 740 741