+ الرد على الموضوع
النتائج 1 إلى 4 من 4

الموضوع: من يسر على معسر

  1. #1
    الإدارة
    ابو مالك has a reputation beyond repute ابو مالك has a reputation beyond repute ابو مالك has a reputation beyond repute ابو مالك has a reputation beyond repute ابو مالك has a reputation beyond repute ابو مالك has a reputation beyond repute ابو مالك has a reputation beyond repute ابو مالك has a reputation beyond repute ابو مالك has a reputation beyond repute ابو مالك has a reputation beyond repute ابو مالك has a reputation beyond repute الصورة الرمزية ابو مالك
    تاريخ التسجيل
    20 / 03 / 2007
    الدولة
    الأردن
    العمر
    38
    المشاركات
    6,540
    معدل تقييم المستوى
    6879

    افتراضي من يسر على معسر

    بسم الله الرحمن الرحيم

    من يسر على معسر
    سحر عبدالقادر اللبان



    إلا مصروفي

    كلَّما شعرتُ بفرج يُصيبني بعد عُسْر، تذكَّرت حادثة مرَّتْ بي وأنا صغيرة، حادثة لا يُمكنني أن أنساها أبدًا، وسأذكرها لأولادي؛ لتكون عِبْرة لهم.

    يومَها كنتُ طفلة في التاسعة من عُمري، لَم تكنْ عائلتنا غنيَّة بالمعنى المتعارَف عليه الآن؛ أي: غِنى المال، رغم أننا كنَّا ننعم برضًا، واعتزاز بالنفس، وترفُّع عن السفاسف.

    كنَّا عائلة متماسكة سعيدة، وكان والدي يعمل نهارًا وشطرًا من الليل؛ ليؤمِّن لنا ما يجعلُنا نعيش مرفوعي الرؤوس أعزَّاء، محاولاً قَدر الإمكان إبعادَ شبح العوز عنَّا، وكنَّا نقدِّر تَعبه وتَفَانيه، فكنَّا نحجم عن إثقاله بطلبات يُمكننا الاستغناء عنها؛ لذلك لَم نكنْ نحظَى بمصروفٍ يومي كما أولاد هذه الأيام، بل جُل ما كنَّا نحصل عليه هو مَبلغ زهيد أسبوعي، يُمكننا به شراء حبَّة حَلوى وعلبة عصير، وكنتُ أعتبر هذا شيئًا كبيرًا، ويوم المصروف كنتُ أنتظره وأفرح به كيوم العيد.

    كثيرًا ما كنتُ أقف في وقت الفسحة أيام الأسبوع أمام دكَّان العمِّ أحمد، أطالِع الحلوى التي يَبيعها، وأسأل عن أسعارها؛ لأخطِّط ما سوف أشتريه في يوم عيدي الأسبوعي.

    وفي عيد من أعيادي الأسبوعيَّة، استيقظتُ صباحًا وأنا أكاد أطير فرحًا، فاليوم يوم مصروفي الأسبوعي، اليوم سأشتري ما خَطَّطتُ له طيلة أسبوع، قفزتُ من سَريري بِهِمَّة ونشاط، وأسرعتُ في تحضير نفسي؛ لأقفَ مع إخوتي أمام والدي والغبطةُ تُرفرف علينا ونحن نأخذ منه المصروف، ونقبِّل يده فرحين شاكرين، وبعدها انطلقتُ إلى المدرسة وأنا أحلم بوقتِ الفسحة، وبدكَّان العمِّ أحمد وحلوياته.

    مرَّت الحصص التي سبقتْ وقت الفسحة بطيئة، كنتُ أجبر نفسي على الانتباه؛ كيلا أطير بأفكاري من جديد إلى الدكَّان وإلى ما سوف أشتريه.

    استرقتُ نظرة سريعة إلى ساعة الحائط، بَقِي خمس دقائق وتنتهي الحصة، وننطلق إلى الملعب، مددتُ يدي خلسة إلى حقيبتي أُخرج منها شطيرتي؛ كي أكون أولَ الجاهزين، فأُسرع إلى الملعب وإلى أكل الشطيرة، ثم الذهاب إلى الدكَّان للشراء، فقانون المدرسة كان يَمنعنا من شراء الحلوى إن لَم ننهِ طعامنا أولاً.

    وقرع الجرس، كم أطربُ لسماعه، خاصة في آخر الحصة التي تَسبق وقت الاستراحة، لكن صوته اليوم أطربني أكثر من كلِّ مرة، صوت كنتُ أنتظره منذ بداية الحصة.

    وأسرعت بالنزول على السلالِم مُسرعة وأنا أحاول نزعَ ورق الشطيرة وتحضيرها للأكل، حالَما تطأ قدماي أرضَ الملعب.

    كنتُ أرى نظرات التعجُّب في عيون الزملاء والمعلِّمة المناوبة، فأنا ما عُرِفتُ إلا بالانضباط والهدوء، لكن لو يعلمون سببَ استعجالي، ما كانوا ليتعجَّبوا أبدًا، وما كانوا ليلوموني عليه أيضًا.

    جلستُ على مقعد ورحتُ أقضم شطيرتي بسرعة، وأنظر إليها كلَّ قضمة؛ لأُعاين كم بَقِي منها.

    أخيرًا سأنهيها والحمد لله، لَم يَبقَ منها إلا قضمات قليلة، واسترقتُ نظرة سريعة إلى حيث دكَّان العم أحمد، الحمد لله، لا يوجد الكثير من الطلاب يشترون، فأغلبهم ما زال يأكل طعامه، ومَن سيكون أسرع منِّي في الأكل هذا اليوم بالذات؟

    وبينما أنا أعيد نظري إلى شطيرتي لأقضم منها اللقمة ما قبل الأخيرة، إذا بي أَلْمَح زميلتي "هدى" تجلس بعيدة مُنزوية عن الأنظار تَبكي، لا أعرف لماذا توقَّفتُ عن طعامي، وقمتُ من مَجلسي وأسرعتُ إليها وفي عيني فضولٌ لمعرفة سبب بكائها.

    ما أن اقتربتُ منها، حتى أشاحتْ بوجهها عني؛ كيلا أرى دمعاتها التي حاولتْ جاهدةً مَسحها، جلستُ قربها مُحيية ومتسائلة:
    • هدى، ما بكِ؟ لماذا تبكين؟
    هزَّتْ هدى رأسها وقالتْ: لا شيء يا ليلى، أشكرك على سؤالك.

    • لكنك تبكين، أرجوك أخبريني ما بكِ، أم تريدينني أنْ أنادي المعلمة؛ لترى ما بكِ؟

    • المعلمة لا، أرجوك لا تناديها، أنا بخير والحمد لله، الأمر لا يستأهل.

    • لكن ما بكِ؟ أخبريني، قد يُمكنني مساعدتك.

    رفعتْ هدى نظرها؛ لتسترق نظرة سريعة إلى ما تبقَّى من الشطيرة التي في يدي، وشعرتُ حينها أن الأمر يتعلَّق بالطعام، وتذكَّرتُ أنني لَم أرَ شطيرتها بيدها، فسألتُها بسرعة:
    • أين طعامك يا هدى؟
    أجابتْ بحزن وبصوت باكٍ: لقد نسيتُها في البيت، وأنا أشعر بجوع شديد، فأنا لَم أذق الطعام منذ غداء أمس.

    أنا أصدِّق هدى، فكلُّنا يعرف أنها فتاة يتيمة فقيرة، تعمل أُمُّها؛ لتؤمِّن لها ولإخوتها ما يسد رَمَقهم فقط، وبالطبع ليس لهم مصروف أسبوعي كمصروفي، ولا يوم عيد كيومي، الحمد لله كم نحن أغنياء فعلاً.

    وبتنهيدة من هدى أعادتني إليها، وإلى أَلَمها وحزنها، نظرتُ إليها ونظرتُ إلى شطيرتي، لَم يَبقَ منها إلا لقمتان، وماذا ستفعل اللقمتان معها؟

    لا بد من حلٍّ آخرَ، أنا أريد مساعدتها، ولكن ماذا بيدي فِعْله؟



    وتذكَّرت المال الذي في جعبتي، لا، إلا هو، لا يُمكنني أن أفرطَ فيه لأيِّ سببٍ من الأسباب، ولو كان جوع "هدى" وعذابها.

    لكن، كيف يُمكنني أنْ أهنأَ بالحلوى والعصير وأنا أعرف أن زميلتي تبكي من الجوع؟!

    الأمر صعب عليّ، ومَددتُ يدي إلى جيبي أتَحسَّس الورقة النقديَّة التي داخله، وبسرعة أخرجتُها وكأن أفعى لدغتها، لا، لن أعطيها مصروفي، إنه لي، وأنا انتظرتُه أسبوعًا كاملاً، سأتركها لشأْنها وأُسْرع لأشتري الحلوى التي اخترتها منذ أيام، لا، إلا مصروفي، إنه لي، إيَّاك يا نفس أن تراوديني على التفريط فيه، وهدى؟ هدى صَديقتي نعم، وهي أخت لي في الإسلام، لا أُنكر هذا، ولكنَّه خطؤها هي، لن أتحمَّل تبعاته أنا، هي نَسيتْ طعامها، ليكن عليها أن تتحمَّل الجوع، لكن أليس المسلمون إخوة؟ أليس المسلمون كالجسد؛ إذا اشتكى منه عضو، تداعتْ له سائر الأعضاء بالسهر والحُمَّى؟ يكفي، إيَّاك يا نفس أن تتمادي، لا، مصروفي لي ولن أقدِّمه لأحدٍ أبدًا.

    وقمتُ من مكاني، وأسرعتُ الخطى إلى الدكَّان، وأنا أحاول ألا ألتفتَ إلى هدى؛ كيلا يرقَّ قلبي لها.

    ومددتُ يدي بالورقة النقديَّة للعم أحمد، فسألني: ماذا أريد؟ وإذ بصوت أسمعه وأعرفه جيدًا يقول: شطيرة جبن يا عم، صوت مَن هذا؟ إنه صوتي أنا، فبدلاً من أن أطلب الحلوى التي أريدها طلبتُ شطيرة جُبنٍ، وأسرعتُ بالشطيرة إلى هدى، قدَّمتها لها ورُحتُ أمسح دمعات فرحٍ ملأتْ عيني وأنا أراها تأخذها بعد تردُّدٍ وتُسْرِع بأكْلها قبل انتهاء الفسحة.

    ماذا فعلتُ؟ ولماذا لَم أشعر بالحزن على مصروفي وشعرتُ بدلاً منه بالفرح والاعتزاز؟
    سؤال لَم أعرف الإجابة عنه إلا بعد فترة، عندما كانت المعلِّمة تشرح لنا المساعدة، وكم أنها مهمة، وقالتْ: إن الذي يساعد يشعر بفرحٍ؛ لأنه استطاع أن يُخفِّف من تعب الآخرين ومِن همومهم، وإنَّ مَن يسَّر على مُعسر، يسَّر الله عليه في الدنيا والآخرة.

     
  2. #2
    مودة ممتاز
    الفـــــــارس is on a distinguished road الصورة الرمزية الفـــــــارس
    تاريخ التسجيل
    25 / 07 / 2008
    الدولة
    مجهولة
    العمر
    52
    المشاركات
    497
    معدل تقييم المستوى
    545

    افتراضي رد: من يسر على معسر


    نعم من يسر على معسريسرالله عليه
    يتسم بسمو العاطفة وما ترقى اليه
    النفس من احساس وشعور يلامس
    مايكنه الآخر
    جعلنا الله والجميع ميسرين للخير
    والعاملين به وادخال البهجة
    والفرح في نفوس اولئك البائسين
    والمحرومين
    مع خالص تقديري لشخصك
    وموضوعك
    ودمت بخير

    الفــــــــارس

     
  3. #3
    الإدارة
    ابو مالك has a reputation beyond repute ابو مالك has a reputation beyond repute ابو مالك has a reputation beyond repute ابو مالك has a reputation beyond repute ابو مالك has a reputation beyond repute ابو مالك has a reputation beyond repute ابو مالك has a reputation beyond repute ابو مالك has a reputation beyond repute ابو مالك has a reputation beyond repute ابو مالك has a reputation beyond repute ابو مالك has a reputation beyond repute الصورة الرمزية ابو مالك
    تاريخ التسجيل
    20 / 03 / 2007
    الدولة
    الأردن
    العمر
    38
    المشاركات
    6,540
    معدل تقييم المستوى
    6879

    افتراضي رد: من يسر على معسر

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة الفـــــــارس مشاهدة المشاركة

    نعم من يسر على معسريسرالله عليه
    يتسم بسمو العاطفة وما ترقى اليه
    النفس من احساس وشعور يلامس
    مايكنه الآخر
    جعلنا الله والجميع ميسرين للخير
    والعاملين به وادخال البهجة
    والفرح في نفوس اولئك البائسين
    والمحرومين
    مع خالص تقديري لشخصك
    وموضوعك
    ودمت بخير

    الفــــــــارس

    نور الموضوع بمرورك أخي الفاضل الفارس

     
  4. #4
    الإدارة
    صناع الحياة has a reputation beyond repute صناع الحياة has a reputation beyond repute صناع الحياة has a reputation beyond repute صناع الحياة has a reputation beyond repute صناع الحياة has a reputation beyond repute صناع الحياة has a reputation beyond repute صناع الحياة has a reputation beyond repute صناع الحياة has a reputation beyond repute صناع الحياة has a reputation beyond repute صناع الحياة has a reputation beyond repute صناع الحياة has a reputation beyond repute الصورة الرمزية صناع الحياة
    تاريخ التسجيل
    09 / 06 / 2005
    الدولة
    مصر
    العمر
    39
    المشاركات
    21,347
    معدل تقييم المستوى
    26400

    افتراضي رد: من يسر على معسر

    من يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة
    ومن فرج عن مؤمن كربة من كرب الدنيا فرج الله عنه كربته يوم القيامة
    جزاك الله كل الخير

     

 

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

     

مواقع النشر (المفضلة)

مواقع النشر (المفضلة)

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك


1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71 72 73 74 75 76 77 78 79 80 81 82 83 84 85 86 87 88 89 90 91 92 93 94 95 96 97 98 99 100 101 102 103 104 105 106 107 108 109 110 111 112 113 114 115 116 117 118 119 120 121 122 123 124 125 126 127 128 129 130 131 132 133 134 135 136 137 138 139 140 141 142 143 144 145 146 147 148 149 150 151 152 153 154 155 156 157 158 159 160 161 162 163 164 165 166 167 168 169 170 171 172 173 174 175 176 177 178 179 180 181 182 183 184 185 186 187 188 189 190 191 192 193 194 195 196 197 198 199 200 201 202 203 204 205 206 207 208 209 210 211 212 213 214 215 216 217 218 219 220 221 222 223 224 225 226 227 228 229 230 231 232 233 234 235 236 237 238 239 240 241 242 243 244 245 246 247 248 249 250 251 252 253 254 255 256 257 258 259 260 261 262 263 264 265 266 267 268 269 270 271 272 273 274 275 276 277 278 279 280 281 282 283 284 285 286 287 288 289 290 291 292 293 294 295 296 297 298 299 300 301 302 303 304 305 306 307 308 309 310 311 312 313 314 315 316 317 318 319 320 321 322 323 324 325 326 327 328 329 330 331 332 333 334 335 336 337 338 339 340 341 342 343 344 345 346 347 348 349 350 351 352 353 354 355 356 357 358 359 360 361 362 363 364 365 366 367 368 369 370 371 372 373 374 375 376 377 378 379 380 381 382 383 384 385 386 387 388 389 390 391 392 393 394 395 396 397 398 399 400 401 402 403 404 405 406 407 408 409 410 411 412 413 414 415 416 417 418 419 420 421 422 423 424 425 426 427 428 429 430 431 432 433 434 435 436 437 438 439 440 441 442 443 444 445 446 447 448 449 450 451 452 453 454 455 456 457 458 459 460 461 462 463 464 465 466 467 468 469 470 471 472 473 474 475 476 477 478 479 480 481 482 483 484 485 486 487 488 489 490 491 492 493 494 495 496 497 498 499 500 501 502 503 504 505 506 507 508 509 510 511 512 513 514 515 516 517 518 519 520 521 522 523 524 525 526 527 528 529 530 531 532 533 534 535 536 537 538 539 540 541 542 543 544 545 546 547 548 549 550 551 552 553 554 555 556 557 558 559 560 561 562 563 564 565 566 567 568 569 570 571 572 573 574 575 576 577 578 579 580 581 582 583 584 585 586 587 588 589 590 591 592 593 594 595 596 597 598 599 600 601 602 603 604 605 606 607 608 609 610 611 612 613 614 615 616 617 618 619 620 621 622 623 624 625 626 627 628 629 630 631 632 633 634 635 636 637 638 639 640 641 642 643 644 645 646 647 648 649 650 651 652 653 654 655 656 657 658 659 660 661 662 663 664 665 666 667 668 669 670 671 672 673 674 675 676 677 678 679 680 681 682 683 684 685 686 687 688 689 690 691 692 693 694 695 696 697 698 699 700 701 702 703 704 705 706 707 708 709 710 711 712 713 714 715 716 717 718 719 720 721 722 723 724 725 726 727 728 729 730 731 732 733 734 735 736 737 738 739 740