هل تعلم ما هي الغيرة؟

الغيرة في الاسلام هي صون العرض عما يشين ويعيب. والدياثة أن يرضى الرجل في أهله الخبث، وإن الرجل لا ينبل ولا يكرم إلا إن كان يغار على عرضه، فيصونه من التهم والمعايب ويقدم نفسه وماله فداء لعرضه من أن يتطاول عليه لسان، أو يلغ فيه إنسان.

اعلم أخي الكريم أن فقدان الغيرة من علامات النفاق، فلا تجد منافقا إلا وهو عادم للغيرة على أعراض الناس بل وعرضه، ولذا فإن المنافقين دوما يحبون أن تشيع الفاحشة في الأمة. فهم يحبون تبرج المرأة وسفورها واختلاطها بالرجال، يحبون انتشار الزنا والخنا، ويدعون إلى ذلك بتزيين طرائقه وفتح أبوابه تارة بالتلميح وتارة بالتصريح إن استطاعوا. قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾.

تراهم يسعون في هدم الغيرة من قلوب المؤمنين، والدعوة إلى تحرير المرأة من حجابها، وإخراجها من بيتها، وتحريرها من قوامة الرجل عليها، ويدعون إلى اختلاطها بالرجال في التعليم والعمل. لعلمهم أنها إذا نزعت حجابها، وخرجت من بيتها، وتولت القوامة على نفسها، وخالطت الرجال في التعليم والعمل، فإن ذلك يقتل الغيرة في نفوس الأمة، وإذا ماتت الغيرة في الأمة انتشرت الفواحش والآثام والظلم والخداع.

فالغيرة هي الجدار المتين أمام كل رذيلة وفساد، وإن الرجل الذي يغار هو الحصن الذي ترتع فيه محارمة آمنات مطمئنات بعيدات عن كل اعتداء آثم وظلم وخداع كل خبيث متستر بالحب والإخلاص. وصدق ربنا حين يقول: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾.

وإن الغيرة لا تقف عند صون المرء عرضه فحسب، بل تملي عليه أن:

يصون أعراض الناس فلا يمد نظره إليها ويحفظ لسانه ويده وفرجه من الاعتداء عليها.
لا يرضى أن يعتدى على عرض مسلمة بأي طريقة كان وهو ينظر أو يسمع، فالغيرة تحمله على نصرة المظلوم والأخذ على يد الظالم، وتحمله على نصح كل امرأة متبرجة سافرة.
لما نزل قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾، قال سعد بن معاذ: يا رسول الله! إن وجدت مع امرأتي رجلا أمهله حتى آتي بأربعة؟! والله لأضربنه بالسيف غير مصفح. فقال النبي ﷺ: [أتعجبون من غيرة سعد؟ لأنا أغير منه، والله أغير مني].

لم يكن سعد أغير من رسول الله ﷺ الذي تحمل الأذى والمكائد والحصار من أجل إقامة الشرع الذي يكفل للناس كرامتهم ويضمن لهم العفة والطهر ويحيي في قلوبهم الغيرة. جاهد بنفسه وأهله وماله وخرج تاركا أرضه وبلاده ليقيم دين الغيرة وصون العرض، وإذا كانت غيرة سعد قد قصرت على زوجته، فإن غيرة رسول الله ﷺ امتدت إلى الأمة جميعها. رضي أن يعيش حياة الحرمان والزهد والتعب والجهد، من أجل أن ينعم الناس جميعهم في حياة مليئة بالأمن والطمأنينة على أموالهم وأعراضهم.

فقد كان من أعظم ما يهم المرء في ذلك الحين عرضه من زوج وبنت وأخت وأم، وكم كان يخاف عليهن من السبي والإذلال والفجور. فجاءت دعوة رسول الله ﷺ فحفظت وصانت أعراض الناس، فعاش الناس لايخافون إلا الله، وأمنت النساء خديعة وظلم المجرمين.

أليس رسول الله ﷺ هو أغير الجميع؟ هذا والله سبحانه أغير من رسول الله ﷺ، ولأجل ذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن. ومن غيرته سبحانه أنه أرسل الرسل وأيدهم ليدعوا الناس إلى دين العفة والطهر والأخلاق الفاضلة، وتوعد من ارتكب شيئا من المنكرات بالعقوبة في الدنيا والآخرة.

فقد ورد في السنة النبوية أن رسول الله ﷺ قال: [والله ما من أحد أغير من الله أن يزني عبده أو تزني أمته]. وقال ﷺ: [ما أحد أغير من الله، ومن غيرته حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن].

ولولا غيرة الله على محارم عباده لعاش الناس حياة البهائم، ولربما كانت البهائم أكرم منهم! وإن من غيرته سبحانه أنه أذن لعبده أن يموت دون عرضه ولو قتل فإنه شهيد، فقال رسول الله ﷺ: [من قتل دون عرضه فهو شهيد].

فاعلم أخي الكريم:

أن الغيرة تنمو بالرعاية، وتموت بالإهمال والتهاون في الصغائر، وإنه لأمر خطير حقا أن يرضى الرجل لامرأته أن تنظر عورات الرجال.
وإنه لمن قلة الغيرة أن يجتمع الأب مع بنيه وبناته على فلم هابط يرون تفاصيله التي لا تخفاكم دون حياء أو خجل.
وإنه لمن قلة الغيرة أن يدع الرجل أهله يحادثن الرجال باعة كانوا أو غير ذلك وهو منزو في بيته أو في سيارته ينتظر فراغهن.
وأخيرا هدى الله هذه الأمة، ورزقها الغيرة، وجنبها الحيرة.