+ الرد على الموضوع
النتائج 1 إلى 3 من 3

الموضوع: دموع بأثر رجعي

  1. #1
    الإدارة
    ابو مالك has a reputation beyond repute ابو مالك has a reputation beyond repute ابو مالك has a reputation beyond repute ابو مالك has a reputation beyond repute ابو مالك has a reputation beyond repute ابو مالك has a reputation beyond repute ابو مالك has a reputation beyond repute ابو مالك has a reputation beyond repute ابو مالك has a reputation beyond repute ابو مالك has a reputation beyond repute ابو مالك has a reputation beyond repute الصورة الرمزية ابو مالك
    تاريخ التسجيل
    20 / 03 / 2007
    الدولة
    الأردن
    العمر
    49
    المشاركات
    6,574
    معدل تقييم المستوى
    7043

    افتراضي دموع بأثر رجعي

    بسم الله الرحمن الرحيم

    أسرة صغيرة مكونة من أبوين وطفلين: أحمد ذي تسعة الأعوام، وصلاح الذي أشرف على عامه السابع، الجميع ينتظر حدثًا هامًّا، فالأم قد أوشكتْ على وضع مولودها الثالث، والأبوان يأملان في أن يكون أنثى.

    صلاح الصغير:
    أبي، أريد دراجة.
    الوالد:
    سأشتريها لك عندما تأتي أختُك ريم.

    البيت تسود أجواءه البهجةُ والسرور بحلول ريم، والأب يكاد يطير من فرحته بالصغيرة، وعلى الفور توجَّه لكي يفيَ بوعده الذي قطعه على نفسه أمام صلاح، وبالفعل قد اشترى له على الفور دراجةً.

    صلاح يلعب بدراجته الجديدة في فناء البيت، وعيون صغيرة ترقبه من الشرفة، والتي كانت نفسُه تتوق إلى أن يصير لديه مثلُها، أو على الأقل يلهو بها مع أخيه.

    لم يكن يعرف حينذاك لِمَ لا يطلب من والده مثلما طلب أخوه، برغم أن أباه لم يكن بالرجل القاسي.

    إنه يحب والديه، ويلتمس أن يكون مقرَّبًا لديهما، كان يرى الضحكاتِ تنبعث منهما لتصرُّفات صلاح خفيف الظل، والذي كان فاكهة الأسرة، أحيانًا كان يحاول أحمدُ أن يبدو مرحًا كأخيه، لكنه لم يكن يرى استجابةً مُرضيَة.

    صلاح:
    أبي، لقد نسيتَ أن تعطيني مصروف اليوم.
    الوالد بعد ضحكة عالية:
    أعتذر لك يا أستاذ صلاح، وخذ هذا مصروفك، وأنت أيضًا يا أحمد هذا مصروفك.

    أحمد بسرعة:
    لا يا والدي، أنا لن آخذ منك مصروفًا بعد اليوم، يكفي أنك تنفق عليَّ وترعاني، أنا لا أريد مصروفي.
    الوالد:
    أعرف أنك قنوع يا ولدي، ولكن لا بد وأن تأخذ مصروفك.
    أحمد:
    أبي، أرجوك، أنا لا أريد مصروفي، ماذا سأفعل به وأنت لا تحرمني من شيء؟
    الوالد:
    ما شاء الله، عهدتك دائمًا حكيمًا يا أحمد رغم صغر سنك.

    وبعد أن قالها الوالد، شعر أحمد بشيءٍ من الرضا إثرَ هذه الكلمة.

    ها هو أحمد يدفع الدراجة بأخيه كمشاركة له في اللعب والمرح، وكأنه يشبع قدرًا يسيرًا من رغبته في أن يركبها، وكان صلاح الصغير يرفض أن يمنحها أخاه لبعض الوقت، وفي الوقت ذاته لم يكن أحمد يطلب من والديه مجرد السماح له بأن يشارك أخاه في اللهو بالدراجة، لماذا؟ لم يكن حقًّا ليدري.

    كم تهفو نفسُه لأنْ يأخذها على حين غفلةٍ من أخيه،
    ظل يقاوم تلك الرغبةَ حتى غلبتْه، فأخذها يلعب بها، وانتابتْه فرحةٌ عارمة لم يشعر بمثلها قط، إلى أن رآه أخوه، الذي ظل يصرخ ويمرغ جسده في التراب.

    فخرج الوالدان على صراخه، وأما أحمد، فقد نزل من على الدراجة، وهو يرقب في خوفٍ مجهولِ السببِ إلى والديه، وهما يقيمان أخاه من على الأرض، وينظِّفان ثيابه.

    ويأخذ الوالد الدراجة يسكت بها صراخَ صلاح، معاتبًا أحمد برفق: أحمد أنت الكبير، لا تدع أخاك يصرخ هكذا، هو الصغير، دعْ له دراجته.
    وبعد ربع قرن مضى من الزمان:

    الزوجة الشابة تخرج إلى الشرفة؛ لتتأمل ذلك الزوجَ الذي شرد ببصره في الأفق، وقد تحدرتْ دمعةٌ ساخنة على وجْنته.

    أحمدُ، قالتْها في لهفةٍ وشفقة، فانتشلتْه بهذه الكلمةِ من شروده، فانتبه إلى دموعه فجعل يجفِّفها على عجل، وهو يجيبها: نعم سلوى، ماذا بكِ؟

    سلوى: ماذا بكَ أنت؟ صمتتْ برهة، ثم وضعتْ يدها بحنان على كتفه قائلة: أمَا زالتْ تلك الذكرى تستولي على تفكيرك وكيانك؟
    أحمد:
    لا أدري يا سلوى، لقد مكثت أعوامًا طويلة، ولا أكاد أفكِّر فيها، لا أدري لِمَ عاودتني، إنها لم تكن تخطر ببالي في طفولتي، فكيف تعود بعد مرور السنين؟!

    إن أبويَّ كانا يحملانِ في قلبيهما الحبَّ لي، أنا على يقين من ذلك، لم أرَ منهما قسوة، أشعر بأني أغدر بهما؛ إذ ينتابني الحزن من مواقفَ تبدو من زاوية العقل تفاهات.

    أنا جدُّ حزين لهما، أشعر أن حزني من تلك المواقف يحمل بين طياته التحاملَ والإجحاف، ولكن لست أدري لِمَ تلاحقُني هذه الذكرى، وقد صرتُ في هذه السن؟!

    سلوى:
    أتعرف؟ لقد أدركتُ أخيرًا لِمَ هذا القدر المبالغ فيه من حرصك على العدل بين ابنتيك، أرى أنك تفرُّ من تلك الذِّكرى، وتحذر من إلحاق أي أذًى نفسيٍّ بهما من جراء آثار الماضي.
    ثم تابعتْ:
    أحمد، أرى أن تذهب لعيادة الطبيب النفسي.

    وفي عيادة الطبيب النفسي:

    استمع الطبيب لأحمد، الذي جلس باسترخاء على الأريكة، إلى أن أتم حديثه.

    الطبيب: الأمر واضح، أحمد الصغير ما زال يصرخ مطالبًا بحقِّه.
    أحمد معترضًا:
    لا يا دكتور، أنا لم أكن لأفكر في هذا الأمر أيامَ الطفولة إلا نادرًا، أليس في هذا دليلٌ على أن الأمر لم يترك أثرَه بنفسي؟
    الطبيب:
    إنك لم تنسَ هذه الذكريات، كل ما هنالك أن عقلك الباطن قد اختزنها، ودبتْ فيها الحياة مرة أخرى نتيجةَ عواملَ معينةٍ، حتمًا سنقف عليها من خلال لقاءاتنا.
    أحمد:
    يا دكتور، أنا كنت أحبهما، وعلى يقين من محبتهما، لستُ في شكٍّ من ذلك، فقط ضعف ثقافتهما التربوية جعلهما لا يلتفتان بوعيٍ إلى ذلك الخلل البسيط في تصرفاتهما.
    الطبيب:
    أنت الآن تراه بسيطًا؛ لأنك تنظر إلى الماضي بعقلية الرجل الناضج العاقل، لكن أحمد الصغير لا يراه كذلك، هو يرى أنه قد ظُلم واختُزلتْ حقوقُه، وهذا ما يجب أن تعترف به، و...
    قاطعه أحمد:
    لا يا دكتور، هذا ظلم لهما، إن أبويَّ صالحان، إنهما...
    قاطعه الطبيب هذه المرة:
    أحمد، ينبغي أن تفصل بين الأمرين، ليس في اعترافك بقصورهما التربوي أدنى إساءة، وليس فيه قدحٌ في محبتهما إياك.
    تابع الطبيب:
    إنك لم تكن تأخذ مصروفك عن زهدٍ فيه وعدم تطلُّع إليه؛ أنت سعيتَ لأنْ تلفت أنظارَهما إليك، أن تحظى لديهما بخصوصية معينة؛ لأنك تشعر في أعماقك بنقص وحرمان مما كان أخوك يتمتَّع به لديهما، وذلك هو ما حمَلك أيضًا على أن تكبت رغبتك في أن يشتري لك أبوك دراجةً كأخيك، لقد أردتَ أن تحظى لديهما بمكانة، فقتلتَ رغبةً طفولية؛ لتواجه بها الخلل التربوي لدى أبويك في التفريق في المعاملة بينك وبين أخيك.

    صلاح كان خفيفَ الظل، كثيرًا ما يضحكهما ويدخل عليهما السرور، وهو ما كنت تراه ينقصك، وعمَّق لديك هذه المشاعرَ أن كنتَ ترى محاولاتك تبوء بالفشل في إضحاكهما والشهادة لك بخفة الظل.

    سالت دموع غزيرة على خدَّي أحمد، والطبيب يستطرد:
    لا بد من مصالحة ذلك الطفل أحمد، سنعتذر له، ونسكِّن أنينَه، سنعترف بأنه لم يأخذ حقه، وبعدها نصالحه ليعفوَ ويصفح؛ لأنه طيب متسامح، وهذا ما سيتم من خلال لقاءاتي بك - إن شاء الله تعالى - ولكن أبشرْ، فالأمر ليس بعسير وَفق ما نَعلمه من شرع الله وعلاجه لكل الأمراض النفسية.

    توجَّه أحمدُ بالشكر إلى الطبيب، وانصرف شاعرًا بالرضا يتخلل كيانَه كله، لقد فهم، فكانت المعرفة والفهم بدايةَ علاجه والجزءَ الأهم فيه؛ لكنه قد ازداد عزمًا على شيء واحد، لم يعد يرى غيره: أن يرى دنيا ابنتيه بعيونهما لا بعينيه.


    عادل مناع

     
  2. #2
    مودة مميز جدا
    كوووكب is a splendid one to behold كوووكب is a splendid one to behold كوووكب is a splendid one to behold كوووكب is a splendid one to behold كوووكب is a splendid one to behold كوووكب is a splendid one to behold كوووكب is a splendid one to behold كوووكب is a splendid one to behold الصورة الرمزية كوووكب
    تاريخ التسجيل
    19 / 08 / 2009
    الدولة
    السودان
    العمر
    39
    المشاركات
    1,289
    معدل تقييم المستوى
    1552

    افتراضي

    ابومالك مشكورعلى الموضوع المميز

     
  3. #3
    الإدارة
    ابو مالك has a reputation beyond repute ابو مالك has a reputation beyond repute ابو مالك has a reputation beyond repute ابو مالك has a reputation beyond repute ابو مالك has a reputation beyond repute ابو مالك has a reputation beyond repute ابو مالك has a reputation beyond repute ابو مالك has a reputation beyond repute ابو مالك has a reputation beyond repute ابو مالك has a reputation beyond repute ابو مالك has a reputation beyond repute الصورة الرمزية ابو مالك
    تاريخ التسجيل
    20 / 03 / 2007
    الدولة
    الأردن
    العمر
    49
    المشاركات
    6,574
    معدل تقييم المستوى
    7043

    افتراضي

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة كوووكب مشاهدة المشاركة
    ابومالك مشكورعلى الموضوع المميز
    شكرا لمرورك على مشاركتي

     

 

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

     

مواقع النشر (المفضلة)

مواقع النشر (المفضلة)

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك


1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71 72 73 74 75 76 77 78 79 80 81 82 83 84 85 86 87 88 89 90 91 92 93 94 95 96 97 98 99 100 101 102 103 104 105 106 107 108 109 110 111 112 113 114 115 116 117 118 119 120 121 122 123 124 125 126 127 128 129 130 131 132 133 134 135 136 137 138 139 140 141 142 143 144 145 146 147 148 149 150 151 152 153 154 155 156 157 158 159 160 161 162 163 164 165 166 167 168 169 170 171 172 173 174 175 176 177 178 179 180 181 182 183 184 185 186 187 188 189 190 191 192 193 194 195 196 197 198 199 200 201 202 203 204 205 206 207 208 209 210 211 212 213 214 215 216 217 218 219 220 221 222 223 224 225 226 227 228 229 230 231 232 233 234 235 236 237 238 239 240 241 242 243 244 245 246 247 248 249 250 251 252 253 254 255 256 257 258 259 260 261 262 263 264 265 266 267 268 269 270 271 272 273 274 275 276 277 278 279 280 281 282 283 284 285 286 287 288 289 290 291 292 293 294 295 296 297 298 299 300 301 302 303 304 305 306 307 308 309 310 311 312 313 314 315 316 317 318 319 320 321 322 323 324 325 326 327 328 329 330 331 332 333 334 335 336 337 338 339 340 341 342 343 344 345 346 347 348 349 350 351 352 353 354 355 356 357 358 359 360 361 362 363 364 365 366 367 368 369 370 371 372 373 374 375 376 377 378 379 380 381 382 383 384 385 386 387 388 389 390 391 392 393 394 395 396 397 398 399 400 401 402 403 404 405 406 407 408 409 410 411 412 413 414 415 416 417 418 419 420 421 422 423 424 425 426 427 428 429 430 431 432 433 434 435 436 437 438 439 440 441 442 443 444 445 446 447 448 449 450 451 452 453 454 455 456 457 458 459 460 461 462 463 464 465 466 467 468 469 470 471 472 473 474 475 476 477 478 479 480 481 482 483 484 485 486 487 488 489 490 491 492 493 494 495 496 497 498 499 500 501 502 503 504 505 506 507 508 509 510 511 512 513 514 515 516 517 518 519 520 521 522 523 524 525 526 527 528 529 530 531 532 533 534 535 536 537 538 539 540 541 542 543 544 545 546 547 548 549 550 551 552 553 554 555 556 557 558 559 560 561 562 563 564 565 566 567 568 569 570 571 572 573 574 575 576 577 578 579 580 581 582 583 584 585 586 587 588 589 590 591 592 593 594 595 596 597 598 599 600 601 602 603 604 605 606 607 608 609 610 611 612 613 614 615 616 617 618 619 620 621 622 623 624 625 626 627 628 629 630 631 632 633 634 635 636 637 638 639 640 641 642 643 644 645 646 647 648 649 650 651 652 653 654 655 656 657 658 659 660 661 662 663 664 665 666 667 668 669 670 671 672 673 674 675 676 677 678 679 680 681 682 683 684 685 686 687 688 689 690 691 692 693 694 695 696 697 698 699 700 701 702 703 704 705 706 707 708 709 710 711 712 713 714 715 716 717 718 719 720 721 722 723 724 725 726 727 728 729 730 731 732 733 734 735 736 737 738 739 740 741 742 743 744 745 746 747 748 749 750 751 752 753 754 755 756 757 758 759 760 761 762 763 764 765 766 767 768 769 770 771 772 773 774 775 776 777 778 779 780 781 782 783 784 785 786 787 788 789 790 791 792 793 794 795 796 797 798 799 800 801 802 803 804 805 806 807 808 809 810 811 812 813 814 815 816 817 818 819 820 821 822 823 824 825 826 827 828 829 830 831 832 833 834 835 836 837 838 839 840 841 842 843 844 845 846 847 848 849 850 851 852 853 854 855 856 857 858 859 860 861 862 863 864 865 866 867 868 869 870 871 872 873 874 875 876 877 878 879 880 881 882 883